عباس محمود العقاد
251
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
وبقيت ذروة من الحميّة يرتفع إليها مرتفع ، وبقيت وهدة من الخسّة ينحدر إليها منحدرون كثيرون . فلم يكن في عسكر الحسين كلّه إلّا رمق واحد من الحياة باق في رجل طعين مثخن بالجراح ، تركوه ولم يجهزوا عليه لظنّهم أنّه قد مات . ذلك الرجل الكريم هو سويد بن أبي المطاع « 1 » أصدق الأنصار وأنبل الأبطال . فأبى اللّه لهذا الرمق الضعيف أن يفارق الدنيا بغير مكرمة يتمّ بها مكرمات يومه ، وتشتمل عليها النفوس الكثيرات ، فإذا هي حسبها من شرف مجد وثناء . تنادى القوم بمصرع الحسين ، فبلغت صيحتهم مسمعه الذي أثقله النزع وأوشك أن يجهل ما يسمع ، فلم يخطر له أن يسكن لينجو وقد ذهب الأمل وحمّ الختام ، ولم يخطر له أنّه ضعيف منزوف يعجّل به القوم قبل أن ينال من القوم أهون منال ، ولم يحسب حساب شيء في تلك اللحظة العصيبة إلّا أن يجاهد في القوم بما استطاع بالغا ما بلغ من ضعف هذا المستطاع . فالتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه ، ونظر إلى شيء يجاهد به فلم تقع يده إلّا على مدية صغيرة لا غناء بها مع السيوف والرماح ، ولكنّه قنع بها وغالب الوهن والموت ، ثمّ وثب على قدميه من بين الموتى وثبة المستيئس
--> ( 1 ) اسمه : سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي ، كما في منتهى الآمال 1 : 671 . وقيل : اسمه سويد بن المطاع ، كما في الكامل في التاريخ 3 : 295 .